Search

ما يجب أن يقال بعد انقشاع بخور “مهرجان روحانيات”

262
تعمّدت أن أؤخٍّر كتابة هذه السطور عن حدث مهرجان روحانيات الذي احتضنته مدينة نفطة في بداية هذا الشهر، حتى لا يكون الموقف متأثّرا سلبا أو إيجابا بالجو الصاخب الذي رافق مهرجان روحانيات. والأهم، لكي أحاول أن أقدّم بسطة تقترب إلى الموضوعية، سواءا كان ما سيقال إيجابا أو سلبا متحرّرا من سلطة الأحكام المسبقة.
أريد أن أطرح مسألة المهرجان من ناحية أخرى بعيدة عن منطق الحروف الخشبية التي تعوّدنا عليها، فالاعتدال في النقد في نهاية المطاف يعبٍّ عن خوف الناقد من تفسيرات الآخرين حسب أهوائهم و أحكامهم الذاتية .

فميزة مهرجان روحانيات أنه كان كصخرة رميت في مستنقع الركود الذي تشهده مدينة نفطة منذ ما يقارب العقدين.
إن انهيار قطاع السياحة رغم الممكنات الجبارة التي توفرها المدينة، سواءا السياحة الثقافية أو الترفيهية و انعكاساته الكارثية في المستوى الإقتصادي، ألقى بضلاله على المشهد العام للمدينة و ووسمها بطابع شاحب.
و المعالم الثقافية التي لا يتم تعهدها بالصيانة (و هنا أقول المدينة القديمة والمساجد التاريخة و غيرها..)، و غياب أي إمكانية لتثمين المشاهد الطبيعية سياحيا ، و إهمال منطقة الأصيل و المسالح الفلاحية في الواحة القديمة و غيرها.
كلّ هذا جعل نفطة تستقبل هذا المهرجان بالكثير من الابتهاج على أمل أنه سيكون بداية نفض التراب عن المدينة العريقة و المنكوبة (كما فعلت تظاهرة الرمال الإلكترونية التي انتهت سريعا بفعل فاعلين ..).
مهرجان روحانيات انطلق كفعل “نضالي ” إن جاز التعبير خاصة بعد الجدل الذي خلقه الخلاف مع “هشام رستم” الذي نظر له أهل المدينة أنه بصدد القيام بعملية سطو على موروث نفطة لغاية الربح الشخصي، و ما زاده تصريحات زوجة هشام رستم الغير مسؤولة الرعناء .
كل هذا جعل الجميع يتجنّد رغم الخلافات الفرعية و الإشكالات البينية من أجل إنجاح هذا الحدث.

الآن و هنا، و بعد نهاية لحظات الصخب التي أنتجها المهرجان، قد يكون من الشرعي أو لنقل من الضروري الحديث عماّ أهم. إن مهرجان روحانيات لا يستطيع تقديم أكثر مما قدّم في مستوى الدعاية للموروث الثقافي للمدينة و الحركية النسبية التي عاشتها نفطة على مدى أربعة أيام(هذا في المستوى الشكلي).
و لكن،(هذه اللكن هي مربط الفرس هنا) هل أن المدينة تحتاج عملية دعاية لمدة أربعة أيام و حركية جزئية أم أن المسألة تحتاج مزيدا من الوقوف و التمحيص؟
في تقديري البسيط، بعد انقشاع بخور الجاوي من كساكيس المريدين، على الجميع أن يقف و يفكّر في جوهر المشكلة.
أولا، المجتمع المدني رغم إمكاناته يبقى عاجزا على خلق تغيير فعلي إذا لم تنسجم معه سلط الإشراف و الراعي الحقيقي للسياحة و التراث في كل تونس.
نفطة لم تكن في حاجة إلى زيارة بروتوكولية لوزير الثقافة من أجل إضفاء جو “تشريفي” على المهرجان و عروضه.
إن عدم طرح ملفات الأزمة التي تعاني منها السياحة والمدينة العتيقة (بطاقة تعريفنا الثقافية في نفطة) يجعل هذا القدوم شرعنة للأزمة و تملّصا من مسؤوليات سلط الإشراف فتونس عاشت سنوات طويلة من هذه السلوكات البروتوكولية للمسؤلين التي تغطّي حقائق الأمور تحت “هيبة الوشاحات الحمراء للحزب الحاكم.
هذا من المفروض كان مسؤولية النشطاء الملتفين حول هيئة المهرجان و لم لا خلق حزام جمعياتي ضاغط من أجل فرض مكاسب حقيقية للمدينة.

“الدقلة” و “الأولياء الصالحين” و “الصحراء” و”السكان المضيافين” كلام مجاملات بلا معنى و مداخل لا يمكن أن تقدّم للبلاد شيئا. إن لم تنخرط “منظمات المجتمع المدني” التي تسعى لاستثمار الموروث الثقافي _الشيء الوحيد المتبقي لنا_ دون الدفع نحو توظيف هذا لصالح المدينة ، تتحول هذه التظاهرات بخورا “عجعاجي” لا نعلم ماذا يخفي.
الكرة في ملعب “محبي نفطة” و “عشاق صوت البندير” و الغيورين على نفطة.
محسن عامر

[wp_ad_camp_1]



اترك رد