Search

عندما تتقلص رقعة “الوطني” يستباح الحقّ الديني و المدني

365

 

الأستاذ عبد الرّؤوف العيادي
المحامي لدى التعقيب

تحوّلت في بداية الأسبوع الجاري إلى ثكنة العوينة للدّفاع عن أحد الموكّلين لدى فرقة مكافحة الإرهاب و غادرت المكان بعد أن قمت بواجبي و شعور بالضيق و المحاصرة ينتابني. فما صدمني بداية عند توجيهنا إلى قاعة الانتظار بعد تخطي إجراء المراقبة في المدخل، هو وجود شاشة تلفزة بالقاعة تبث برامج قناة فرانس 24! أي نعم تلك القناة الحكوميّة ( الفرنسية) التي بعثت سنة 2006 لتتوجّه إلى شعوب “ما وراء البحار”، وهي لا تخفي انحيازها لوجهة نظر تخدم مصالح “المتروبول”.
و بعد أن حملتنا سيارة إلى مقرّ وحدة مكافحة الإرهاب وجّهنا ثانية إلى قاعة انتظار مجهّزة هي أيضا بشاشة تلفزة تبث برامج “فرانس 24″ و كان طبيعيا أن أصدم من هذا الذي بدا تنظيما موجّها لفضاء يأوي سلكا أبلى البلاء الحسن في محرقة بنزرت سنة 1961 .
ثم حان وقت البحث فدخلنا مكتبا متواضعا بابه مفتوح باستمرار على ممرّ به عدّة أعوان يشاركون في إجراء البحث تارة همسا فيما بينهم و تارة جهرا بإلقاء الأسئلة على المنوّب دون أن تضمّن أسماء الجميع بالمحضر خلافا للقانون الإجرائي.
و ما يلاحظ أنّ موضوع البحث يتعلق بنشاط جمعيّة خيريّة تسير قافلات طبيّة للعلاج المجاني أحرزت على جميع شروط الوجود القانوني، ثمّ قرّر المشرفون عليها حلّها سنة 2015.
و بمجرّد أن شرع المشرف على البحث في تضمين هويّة المنوّب سأله هل تؤدّي فريضة الصلاة و منذ متى، فتدخّلت محتجّا قائلا أن هذا السّؤال لا يطرح على مواطن في دولة دينها الإسلام، فما كان منه إلّا أن اغتاظ صائحا: ليس لك الحقّ في التدخّل في هذا الطور، و أنت موجود هنا لمعاينة عدم ممارسة وسائل ضغط أو إكراه على منوّبك لا غير! فتمسّكت بموقفي ملاحظا له أنّني أضطلع بمهمّة الدّفاع و لست مجرّد شاهد و أنّ المساس من حقوق منوّبي يجعلني أتدخّل، ثمّ كرّر نفس السّؤال على منوّبي الذي أجابه أنّه يؤدّي فريضة الصّلاة منذ سنة 2000”
و لا تسأل كيف لجمعيّة خيريّة طبيّة تساهم في تمويل الإرهاب ( موضوع التّهمة) فالمجال القانوني غزاه تشريع مفروض من “الدول الكبرى” ، و أذكر أنّنا ناقشنا مشروع هذا القانون أواخر المدّة النيابيّة للمجلس التأسيسي ( صائفة 2014) و قد علمنا أنّ وزارة العدل تولّت ترجمة المشروع الأصلي من الانجليزيّة إلى العربيّة، لذلك رفضت التداول فيه مذكرا بمضمون القسم الذي يؤدّيه النائب والذي لا يسوغ له التشريع بالمناولة.
بين قناة “فرانس 24 ” و قانون مكافحة الإرهاب ابحث عن وضع حقوق المواطن و ستتجلى لك الحقيقة: تعدّدت أشكال الغزو الخارجي بين ما هوإعلامي سياسي و ما هو تشريعي، و بينها ضاع الحقّ و بانت عوائق إقامة العدل في بلد تقلّصت فيه رقعة السيادة.
و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه
تونس في غرّة ذي الحجّة 1438
الموافق لــ23/8/2017




اترك رد