Search

القرآن و مخيلة القلب بقلم سلمان زكري

353

القرآن و مخيلة القلب بقلم سلمان زكري
وأنت تقرأ الكتاب الكريم يتحرّك خيالك بلا مشورة للمعنى و بلا التزام لضوابط السياق و بلا تقيّد بحدود المفسرين.. تنتابك أفكار غريبة إلى حد اللامعقول.. أفكار ينسجها الخيال قد تمتّ بصلة إلى حوادث من واقعك ربّما وإلى معاني بعيدة عن السياق العام المفهوم لبعض الآيات فتشعر أن مقتطفات من الكتاب تجذبك بل تخاطبك وتخاطب تفاصيل حياتك الراهنة و الماضية و القادمة ..
ومخيّلة المرء لا مكابح لها و لعل القرآن يخلق في ذهن قارئه حوارا أو جدالا داخليا في خصوص هذه المخيّلة فالمرء لا يقدر على إيقاف خياله ولكنّه يضبط عقله بمبدأ احترام الكتاب و بتفنيد و تقليل شأن ما يتخيّله و ربما بكبح لسانه و قلمه عن التعبير عن ذلك الجنون الذي راوده أثناء قراءة النص..
آيات و كلمات و مقتطفات تُعبّر و تُشخّص شيئا ما يمسّك أو أمرا عايشته و تعرفه ..قد تعبر عن حزنك عن بهجتك ..عن العسر الذي مررت به و عن الفرج الذي أتى بعد قنوط ..و لكنها كذلك تعبّر عن شيء قد لا يكون له علاقة بالمفهوم السائد للنص أبدا إلا أن نفسك تغوص في مفرداته لمعنى يخصّها..
كثيرا ما تعترضنا تدوينات قصيرة ينزّلها أصحابها في شكل مقتطف من آية أو دعاء من القرآن او بعض المفردات القرآنية تلامس خيال مدوّنها و تلامس كيانه العاطفي و شيئا مما يخالج صدره ..مقتطفات تعبّر عن حالة نفسية معيّنة و خصوصا عن حالات عاطفية في معظم ما يعترضنا من تدوينات..ورغم أن التفسير في معناه العقلاني يبتعد كثيرا عما يراد تبليغه من الآيات المنتقاة إلا أن كاتبها يستشعر أنها تعبر عن مراده و يضع عليها القارؤون الإعجابات لأنهم هم الآخرون يجدون فيها ما يمسّهم و لكل قارئ شيء ما يعنيه بمفرده..
و لعلنا في تجربة الخيال القرآني إذا تحدثنا عن ذلك المخيال لنضرب منه الامثال فإننا سنتحدث عما يتعلّق بالقلب و عن الحب تحديدا..عن الإحساس الذي تنبعث منه البهجة و ينبعث منه الشقاء و منه تولد الخيبة و غمامها و إننا مهما كتبنا عنه سنبقى في سرمدية المعنى غير بالغي الحقيقة المطلقة مواصلين أثير السابقين.. فلطالما تعلق القلب في صورته الرائجة بمصطلح الحب ولكنه في تفاصيل الآيات المتعلقة بالإيمان..تشعر أن كل شيء يمس الحب..هذا الشعور الذي لم يطغى على الإنسان عبثا فبين الحب و الإيمان مقاربة عجيبة..كلاهما شعور ينبع من القلب ..و أن يكون للحب والإيمان منبع واحد فهذا يسوقني إلى تخيّل أن ما ورد على الإيمان قد يرد على الحب في جزء كبير منه و أن من يحمل دعوة الإيمان سيخوض الحروب و ينتصر و ينهزم ..كذلك من يحمل دعوة الحب فكلاهما يحمل رسالة موجهة للقلوب..و كلاهما قد يلقى سبيل الهداية و انشراح الصدور أو يلقى الصدّ و النفر..
و إنك حينما تقرأ الكتاب خائبا و محزونا أو مبتهجا و فرحا ستخاطبك كل الآيات.. آيات الإيمان و آيات القلوب و حتى آيات القتال..سيتحرك خيالك إلى كل الصور اللامعقولة ..ستشعر أن الكتاب يخاطبك بشتى مفرداته و معانيه ..سترى الحرب التي تخوضها في نفسك في مشاهد القصص..ستتحرك الذاكرة ..ستشعر بأنك ترفع لواء مبادئ الإحسان في بعض مواقفك …و ستشعر في المقابل أنك المذنب و الظالم و الكافر و رافع لواء الضلالة في طريقك..و لكنك في آخر المطاف ستشعر أن كل تلك المعاني بتناقضاتها هي جلاء للثقل الذي يغمر صدرك..

و نحن نعيش في مجتمعات بارعة في حرق القلوب تُضرب لنا الأمثال يوميا في كل من أدبر خائبا بسبب جشع الناس و سقوطهم القيميّ و ابتعادهم عن وصيّة رسولنا الكريم فنرى مجتمعا لا يأبه لمشاعر الصادقين و لا يؤمن بخلق المتخلقين و لا بدين من يحملون في سلوكهم دينا ..تحرّك الخيال القرآني عن هذا في آيات من سورة الإسراء عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم لآل قبيلته لأن يؤمنوا..و الذي كان ردّهم تحديدا هو ما أخذ خيالي لمقارنة ما.. ” وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا” و بقية الشروط الطويلة ..” أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ..” “أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ..”ليصدح في خاطري صوت الخيال مقارنا دعوة الإيمان بدعوة الحب قائلا:
-و كأن شروط المجتمع على أبناءه كشروط قريشٍ على ابنها محمّد ﷺ..
-كيف؟
– أن تفجر لهم من الرّزق ينبوعا..أو يكون لك بيت من زخرف..أو ترقى في سماء المفاخرة..و لن يؤمنوا لأخلاقك و دينك أبدا..
مقارنة نسجتها مخيلة القلب و مثلها الكثير ما يُنسج و كذلك رأيت طريق الحب من خلال مفردات النص..
ففي طريق تبليغ رسالة الحب الصادق سيعترضك كل ما اعترض صاحب الرسالة في طريق الدعوة للإيمان..
سيعترضك من تريده أن يهتدي إلى قلبك ولكنك ” لا تهدي من أحببت “. و إذا أصررتَ في دعوتهم ستقول لك الاقدار ” فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمْ”
في طريق الحب قد تخيب بالهجر فتحاول أن تصلح و تعود إلى العشير و تدعو لتؤلف القلوب من جديد فتفشل فتعيد المحاولة مرارا إلى حد الإذلال و الإرهاق حتى يصبح المحبوب يسكن الفؤاد أكثر من المولى و يصبح الحل والربط بيده و تصبح أقرب لمن قيل فيهم “يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ”..
في طريق الحب سيعترضك من ‘ فَكَّرَ وَقَدَّرَ’ …’ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ’..
في طريق الحب ستبتهج حينما تجد ‘مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ’..و ستنكّس راية الحب و تخيب في من وجدت فيه قلبا يشبهك وحق عليه القول ‘ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ’..
في طريق الحب ستعلم بالتجارب بالهزائم والمباهج معنى “وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ”.
في طريق الحب ستعلم يقينا أن الموّدة إذا لم تعقبها الرحمة ” وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً” فإن المودة تنقلب الى النقيض.
وهكذا هي مخيلة القلب في القرآن ..تحيد عن السياق لتنسب كل المعاني الى سياقها الخاص..و لعل التعايش مع القرآن من منطلق القلب كان بالنسبة للكثير ممن استبطوا لنا المعنى عين التدبر.




اترك رد