Search

حوكمة النفايات من حلول التكيف المناخي بقلم..الهادي منصور

168

لماذا علينا أن نثمّن الكميات الكبيرة من النفايات ونعتبرها مشروعا حيويا يتبوأ صدارة اهتمامات سياسة الدول في مجال التكيف المناخي ؟

دعونا ننطلق من سؤال بسيط في طرحه ونتساءل ماذا يمكن أن نسمي دولة لديها ثروات مكدسة في شوارعها على شكل مواد تفرزها العائلات والمحلات والمصانع ولا تعيرها إهتمام ،في حين أنها لو إستثمرت هذه الكميات الكبيرة من الفضلات اليومية المتكونة من أكثر من عنصر حيوي لحققت روافد إقتصادية وبيئية وصحية وتربوية عديدة ؟؟؟
يحيلنا السؤال مباشرة إلى غياب سياسة الدولة في مجال تجميع الفضلات اليومية والتي تمثل على حد السواء حل بيئي في نظافة الأماكن و موارد اقتصادية لو عرفنا كيف نجمع هذه الكميات ونصنفها ونكررها ونعيد استخدامها .
في هذا الشأن تحديدا نؤكد وبرغم السيل الجارف من القوانين التي شهدتها تونس سواء بالتجديد او بالتنقيح ليست هناك أي نية للدولة التونسية التفكير في الحلول المربحة وقد تعمدنا توظيف كلمة “مربحة” لأن آليات التدخل في استثمار الفضلات اليومية والنفايات على اختلاف مصادرها هي مربحة فعلا اذا ما عرفنا كيف نعيد تجميعها وإعادة تحويلها .
إن المسلك الرئيسي لهذه الفكرة هو التساؤل عن سياسة الدولة التونسية للحد من الفضلات التي تراكمت على امتداد عشرات السنين كحل رئيسي للتكيف المناخي ويعود هذا بالاساس لعدم تحمل الوزارات المعنية مسؤولياتها في توفير المرافق والآليات والموارد المادية والبشرية وهذا لا يعود لعدم مقدرتها ماديا ولكن بالاساس لانعدام استراتيجيات العمل و القواعد القانونية التي تنظم المجال البيئي والصحي كحلول للتكيف البيئي في تونس .
إن طرحنا الذي نسلكه انطلاقا من النفايات اليومية للمساهمة في التكيف المناخي والحد من المتغيرات الطبيعية هو حل ممكن إذا ما انطلقنا من قواعد تشريعية وإرادة سياسية الهدف منها المساعدة على خلق مشاريع اقتصادية واجتماعية تشجع الشباب والعاطلين انطلاقا من تمويلات مضمونة الربح والنتائج كما وكيفا فلماذا لا تتحول فضلات البيوت والحدائق والمؤسسات الصغرى باعتبارها نفايات عضوية مثل بقايا الطعام إلى أسمدة و تتجمع النفايات الغير عضوية مثل المواد البلاستيكية، والمعدنية ويعاد تدويرها ثم تكرر ليعاد صنعها ،في حين تتجمع النفايات الصلبة الناتجة عن الاستعمالات المختلفة، لمعالجتها وإعادة استخدامها لأغراض يومية كالورق، والكرتون…في حين تجمّع النفايات السائلة التي تنتج عن النشاط اليومي كالغسيل داخل مصارف يسهل التعامل معها كآليات ناتجة لموارد احيائية و توظف في ذلك الطاقة انطلاقا من موارد الطبيعة كالشمس والسدود القادرة على تزويد مصانع الرسكلة بالكهرباء…؟؟؟
التعريف :
كثيرا من يقرا المواطن العادي ويسمع عن التكيف المناخي بالراديو والصحف والتلفاز ولكن لا يعي بالقدر الكافي بشكل علمي ودقيق هذا المفهوم الذي يشير إلى مختلف التدخلات التي تعيد للطبيعة توازنها على اعتبار واننا لا يمكن ان نتحدث عن تكيّف إذا لم يكن هناك إخلال بالسير العادي لمنظومة الطبيعة.
ومن هنا يمكن التأكيد على ان التكيّف المناخي قبل أن يكون إستراتيجية عمل هو سلوك انساني واعي بقدرة الانسان على التأقلم مع التغيرات التي انتجها هو بذاته وأثرت على النسق الطبيعي مما انتج تغيرات موسمية ويومية للطبيعة وبالتالي فإن التفكير في أساليب تجعلنا نتكيف مع هذه الاخلالات يبقى من الحلول العاجلة لمختلف الانتاجات التي مست بشكل سلبي وصارخ النمو الطبيعي للعناصر الاحيائية و سببها التدخل الانساني من خلال الصناعات وتدمير النسيج الغابي واحتلال الأرض بالبناءات والانتاجات الكيميائية وغيرها … وهو ما يفرض علينا اليوم أن نتدبر الحلول لمواجهة ما يهدد وجودنا الانساني .
التشخيص :
ماهي مؤشرات الوضع الحالي البيئي والغذائي لتونس وماهي سبل تجاوز هذه المؤشرات اذا كانت سلبية أو سبل تعزيزها وتدعيمها اذا كانت ايجابية
يتميز المجتمع التونسي بـــالاستهلاك المفرط والفوضى السلوكية الناتجة عن انعدام سبل التثقيف والتربية:
من حيث هو مجتمع استهلاكي : تفوت نسبة استهلاك المجتمع التونسي للمواد الغذائية المصنعة النصف وهذه نسبة خطيرة خاصة عندما نعرف ان جل المواد الغذائية تحتوي على الكثير من المواد الكيميائية ومع ذلك لم يكترث المواطن لهذه الخطورة وتأثيراتها الصحية خاصة على فئة الأطفال والمسنين باعتبار هشاشة نظامهما الصحي .
اما باعتبار المجتمع التونسي غير راشد سلوكيا: حيث تعتبر جهود المواطن التونسي ضعيفة جدا في تجميع فضلاته اليومية وتصنيفها واحترام مواعيد تفريغها ولم نشهد اسهامات مواطنية ذات جدوى في معاضدة جهود البلديات المكلفة بالنظافة..
الحلول :
سياسيا : تبني مقاربة سياسية وتشريعية تقوم على منظومة قانونية تيّسر العمل من أجل مناخ أفضل يعتمد أساسا على تهيئة المناطق المؤهلة للتشجير وفتح المجال امام المبادرات الخضراء
* وضع خطة عمل لاستثمار الطاقات المتجددة بالتنسيق مع دول الجوار ثلاث الجزائر و ليبيا
* ملائمة المقاربة الامنية للمشروع البيئي حيث إعتمدت الدولة التونسية في خطوة تتميز بالرداءة التشريعية على مقاربة امنية من خلال انشاء وزراة الداخلية لجهاز الشرطة البيئية التابعة للشرطة القضائية ومهمتها تسليط غرامات مالية على المخالفين وذلك في مهمة كما عرفت حرفيا “للقضاء على الاوساخ” في حين أن الأوساخ ليست إلا فضلات ونفايات يمكن ان تعاد رسكلتها لتصبح موارد اقتصادية استراتيجية هامة .
* عدم السكوت على الفساد البيئي الذي سندفع ثمنه باهضا رغم أن الحلول نراها ممكنة وسهلة
علميا : إنشاء مؤسسات مهمتها البحث في المتغيرات المناخية التي يشهدها العالم ودراسة التوقعات لنتحول من مجتمع يتفاجأ بالظواهر إلى مؤسسات تستبق حصولها و مجتمع محصن تقنيا..
* تطوير البرامج الزراعية للملائمة التغيّرات المناخية
اقتصاديا : تنتج تونس يوميا أكثر من مليون طن من النفايات المنزلية اليومية وللأسف لايتم رسلكة 01 بالمائة منها رغم أن اكثر من 70 بالمائة منها قابلة للاسترجاع بعد الفرز الانتقائي.
*خلق مشاريع تجميع وفرز النفايات ثم تصنيفها من أجل اعادة تدويرها وهذا يتطلب يد عاملة تخرج من البطالة وعلى الدولة دعوة الشباب لاستحداث مشاريع من هذا النوع.
ضرورة الاستخدام العلمي(التقني) والذكي لرسكلة النفايات لكي تتقلص نسب انبعاث الغازات المتسببة في الاحتباس الحراري.
بيئيا : إن الاهتمام بالنفايات على اختلاف مصادرها وانواعها هو حفاظ بالدرجة الأولى على التوازن البيئي وكلما إزداد وعينا بضرورة الاستفادة من النفايات باعادة تحويلها ،كلما ساهمنا في تنقيـة الهواء مـن غـاز ثـاني أكسـيد الكربـون والكثير مـن الغـازات السـامة الأخرى التي ترسلها المصانع التحويلية وكل هذه الجهود هي خطوات ٍئيسية في التكيف المناخي للفترات القادمة .
*خلق مناطق آمنة لردم النفايات
*ضرورة إنشاء اقتصاد أخضر يساعد على خلق بيئة مساعدة على الإنتاج الطبيعية والبيولوجي دون الالتجاء للمواد كيميائية
تربويا : إهتمت الدول منذ عشرينيات القرن الماضي بالسياسات التعليمية لمجابهة مختلف التحديات أما في العالم العربي فإنه ورغم الأخطار لازلنا نحلم ، بإمكانية الإصلاح التربوي الحقيقي وخاصة في المجال المتعلق بالبيئة والمناخ وهو ما يجعل هذا البحث المختصر دعوة لضرورة إدماج بيداغوجيا المقاربة البيئية داخل الأنظمة التربوية ،إذ في إعتقادنا الراسخ أن أي بيداغوجيا لا تتضمن في أنشطتها علاقة الطفل بالأرض ولا تعتمد على التعلّم البيئي هي بيداغوجيا فاقدة للحياة و ليس لنا أي خيار سوى تعليم الأطفال وتدريبهم على الممارسة الحيّة للثقافة الايكولوجية .
واخيرا نقول أن الفرق بين الدول المزدهرة ،النظيفة و الدول التي لا تزال غارقة في فضلاتها هي قوة المعرفة والعلم اللذان انتجا يد عاملة ماهرة بإمكانها أن تبرمج وتنفذ المشاريع بشكل فيه من الدراية والتكنولوجيا الشيء الكثير وليس امامنا من خيار سوى إحترام الطبيعة بالقدر الذي تعطينا من خيرات وفضائل ومن المهم جدا أن يشهد العالم العربي موجة واسعة من الوعي البيئي والمناخي و أنا سعيد جدا لكوني مؤسس لمشروع يناصر البيئة ويناضل من اجل حق الطفل في مستقبل آمن بيئيا وغذائيا وصحيا.”

الهادي منصور




اترك رد