بداية إنتشار ثقافة الجاز

129
تونس ريفيو.. للمواطن صورة وصوت وقلم ||
حين يتعلق الأمر بالموسيقى،  أقوى وسائل التواصل الإنساني حول العالم، لغة حية يُجيدها البشر ويشتركون في التعبير بها، والأجمل من ذلك أنها مُمتعة على نحو غريب وسريعة الانتشار حيث تتخطى كل الحدود الجغرافية وبالتأكيد لا تحتاج إلى مُمثلين سياسيين.
من المعروف أن نيو أورليانز بولاية لويزيانا الأمريكية هي موطن ولادة الجاز، ففي زمن عانى فيه الأمريكيون من أصل إفريقي من الاستعباد، الاضطهاد والتفرقة العرقية بجميع أشكالها، أصبحت المُوسيقى وسيلة لتمضية الوقت مع الرفاق والتعبير عن الهموم اليومية بأسلوب خاص حرّ لا يحتاج سوى لآلة موسيقية واحدة والقدرة على التجاوب مع نغماتها لخلق إبداع فني يحكي حقائق واقع مُعاش، أسلوب يعتمد بدرجات متفاوتة على الارتجال وهو عامل أساسي في موسيقى الجاز يُميّزه عن باقي الألوان الموسيقية.
 في غياب مُمارسة الحقوق، اعتُبِرت هذه الموسيقى التي لم تَكن معروفة باسمها الحالي أنذاك من أوائل مُنتديات حرية التعبير ومُحاربة التمييز على أساس الجنس بجنوب أمريكا في نهاية القرن التاسع عشر، حيث شكّلت لاحقاً قوة دافعة في حركة تحرير المرأة وساعدت في توفير فرص عمل للنساء في ميادين صناعة الموسيقى في حين كان الذكور من يحتكرون الفنون الشعبية التقليدية عامة.
انتشرت موسيقى الجاز كالنار في الهشيم بجميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن بدأ الأمريكيون من أصل إفريقي في هجرتهم نحو الشمال بحثاً عن ظروف عيش أفضل، انبثقت منه أساليب موسيقية أخرى خاصة إبان وبعد الحرب العالمية الثانية مثل Swing وBe-bop معتمدة على المُحتوى اللحني المُتناسق المُتاح في الجاز، ظهر عازفون منفردون عظماء وفرق موسيقية معروفة ادمجت آلات موسيقية أخرى جديدة.
بعد أن جذب له الجماهير من البيض والسود في كل أمريكا، انتشر هذا اللون الموسيقي في أوروبا فتزاوج مع فنونها، و سافرت فرق الجاز إلى كل مكان في أمريكا اللاتينية، أوروبا وآسيا للغناء، العزف والرقص، وتهافتت شركات التسجيل على فنانين مثل لويس أرمسترونغ ووعازف البيانو الشهير ديوك إلينغتون اللذان يعدان من أوائل المؤسسي للجاز.
تشاركت مجموعة من الآلات الموسيقية في هذه الإنجازات الفنية وأعطتها جمالية وجاذبية فريدة عند الجماهير، وإيقاعات مُطردة تتأرجح وفق تعداد ثنائي أو ثلاثي أو رباعي موزون، من أشهرها في عالم الجاز نجد:
الساكسوفون: من أوائل الآلات المستخدمة في الجاز وأكثرها شعبية وارتباط بهذا الفَنّ.
الكمان القائم أو التشيللو: بطل التناغم الموسيقي في الجاز.
البيانو: له الفضل في خلق النوتات العالية والمنخفضة، الناعمة والبطيئة في ألحان الجاز.
الترومبون والترومبيت: وهي آلات نفخية قوية ومؤثرة في تطوّر أساليب الجاز.
آلات القرع – الدرامز: آلات مُتنوعة في طريقة استخدامها، ضرورية للحفاظ على حركية الموسيقى.
لحن الأغنية الذي تتميز به، التناغم الذي يمنحه مسحة الكمال، الإيقاع وهو القلب النابض في كل ذلك، وبعض الارتجال بين الفينة والأخرى؛ هذه هي أهم العناصر المكونة للجاز، حيث غالباً ما تُفتتح القطعة الموسيقية بأنغام لحن يعزفها بعض أفراد الفرقة في الخلفية، فيتناوب بعدها المؤدون في الغناء وارتجال مزيج من النوتات العالية، المنخفضة، القصيرة والطويلة بصوت أجش وآخر ناعم.
– عمالقة الجاز وكلاسيكيات موسيقية خالدة:
حقيقة يستحيل حصر عالم موسيقى الجاز في بعض الأسماء فقط، فهذه الموسيقى اكتسحت باقي الألوان الموسيقية وامتزجت بها كما يظهر ذلك جلياً في أعمال الأسطورة راي تشارلز.
هناك أسماء لشخصيات بارزة لا يمكن الخوض في حديث الجاز دون ذكرها، وهنا الفضل لا يعود على مؤدي الأغنية فقط بل العازفون أيضاً، لأنهم نجوم الجاز الحقيقيون، فكل واحد فيهم أضاف آلات موسيقية جديدة وابتكر ألحان ساحقة النجاح، مع الحفاظ دائماً على جوهر هذا اللون من الفنون وهو الإيـقــاع.
لويس أرمسترونغ
من ظروف الاضطهاد في قلب لوزيانا الأمريكية، باع الجرائد في شوارع نيوأورليانز، أصبح هذا العازف والمغني البارع لاحقا أب الجاز.
نينا سيمون
ولأن الجاز قدّم فرصة ذهبية للمواهب النسائية، فهناك العديد من الأسماء البارزة إضافة إلى نينا مثل إيلا فيتزجيرالد، وسارة فوغان.
المخضرم فرانك سيناترا
ارتبط اسمه بالبلوز، الجاز وأنواع أخرى، هذا لأنه كان يعشق أن يُجرّب كل شيء حتى التمثيل، تسجيلاته حققت نجاحاً باهراً في أنحاء العالم، هذا الأسطورة الراحل ترك إرثاً موسيقياً حياً إلى يومنا هذا.
العبقري الفرنسي شارل أزنافور
دخل عالم الفَنّ من أبواب المسرح والتمثيل، وصل نجاحه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عُرِفَ بقدرته على خلق الفكاهة من لا شيء، فهو المتألق أزنافور.
تقريباً، وفي كل مكان في العالم، أدخل عازفون ومغنيو الجاز في موسيقاهم، في الهند، المكسيك، فرنسا، كندا، استراليا، وفي وقتنا الحالي أفضل بين الحين والآخر الاستمتاع بأغاني مايكل ببليه أو الفرنسية الموهوبة زاز.
– الجاز في الموسيقى العربية:
الغريب في موسيقى الجاز أنه تمكّن عبر الزمن بالاحتفاظ بروحه الأمريكية الأصيلة، ولكنه في نفس الوقت يعتبر من أكثر الأنواع الموسيقية القادرة على التكيّف مع ألوان أخرى مثل البلوز، فهو يمثّل الموسيقى التقليدية الشعبية للسود المنحدرة من جذور أفريقية التي امتزجت بشكل جميل في علاقة أشبه بقصص الحب وأساطير الأزمان الغابرة مع حضارات حول العالم لتروي لنا عبر ملايين العازفين والمغنيين قصص الحياة، العشق والتوق للحرية.
بين روعة الساكسوفون وأصالة العود، نجد أن الموسيقى العربية بآلاتها الموسيقية المتفردة تلاقحت هي أيضاً مع الجاز في قطع فنية خلاقة ومُفعمة بالإبداع والتميز، حيث كانت البدايات مع إعادة التوزيع الموسيقي لبعض الأغاني العربية المعاصرة أو من التراث بإضافة عناصر الجاز الثابتة ونجد هذا في أعمال البريطانية الفلسطينية الأصل ريم كيلاني.
عَرَف الجاز طريقه لمدرسة الرحباني، والساكسوفون لأغاني حليم وموسيقى سمير سرور، وأسس الفرنسي اللبناني الأصل توفيق فاروخ وآخرون أسلوب جاز عربي جديد قائم بذاته.
في الشرق وأقصى الغرب، تلك الموسيقى الأفريقية الأصل مُتواجدة منذ القدم ولكن بقوة ولا يمكن تجاهلها عند سماعها وبالضبط في موسيقى الكناوة بالمغرب، ومن شمال أفريقيا أيضاً، انبعث سفراء فَنّ الجاز العربي ليقدموا لنا وللعالم أروع صور التمازج الإنساني الثقافي، أمثال التونسي ظافر يوسف، الجزائرية إيناس مزال والمغربية الأمازيغية مليكة زارا.
هذا التزاوج أدّى إلى ولادة فَنّ عربي راق مُختلف لكن مُميز بجميع المقاييس قادر على السفر في الزمن بلا حدود وحمل موسيقانا إلى المهرجانات والفعاليات الدولية وكل الشعوب على يد العديد من المبدعين. أذكر منهم:
الفلسطيني أحمد كبور
اللبنانية ريم خشيش
السورية لينا شماميان
ابراهيم معلوف
الثلاثي جبران
هؤلاء وغيرهم، ارتبطت أسماؤهم بإدماج آلات الجاز وإيقاعاته في موسيقاهم. وفي دبي، طنجة، عُمان ومدن عربية أخرى، احتفالات الجاز حاضرة دائماً.
إنه لأمر عجيب ما يمكن لآلة موسيقية واحدة أن تجسّده، أكثر من الانفتاح وتلاقح الثقافات، موسيقى الجاز في عشرات الستايلات والمدارس العالمية، حمل رسائل السلام، التسامح والتقبل للاختلافات من حضارة إلى أخرى، أعاد من خلالها تعريف نفسه بطابع موسيقي مُبتكر جديد وقدّم لنا مالم تقدمه مُبادرات السلم الزائفة وعزاء من نوع خاص.
– موسيقى الجاز في الأفلام:
حين نتحدّث عن إبداع إنساني بهذه العظمة، فالسينما ليست باستثناء أبداً، وهنا يتبادر إلى أذهاننا فيلم Ray لجيمي فوكس الذي أتقن بامتياز دور Ray Charles، أما في الفيلم الجميل The Terminal، علِق توم هانكس في دور نوفارسكي في مطار بنيويورك قادماً من أوروبا الشرقية للوفاء بوعد قطعه لوالده، وهو الحصول على توقيع أحد عازفي الساكس المشهورين، أيقونة الجاز ‘بيني غولسن’. ومن عدد كبير من الأعمال السينمائية عن الجاز، هذه بعض المُختارات:
– The Jazz Singer-1927
– Breathless-1960
– Bird -1988
– Taxi Blues -1990
– Chicago -2002
– Bessie -2015
عصام سندي



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *