الجامعة التونسية.. مجالس تأديب أم محاكمات عسكرية؟

1197
تونس ريفيو.. للمواطن صورة وصوت وقلم ||

 

مجالس التأديب، أو بالأحرى مجالس التربية كما يحلو لي تسميتها، مجالس وُجدت لتكون هيكلا تربويا داخل المؤسسات الجامعية “يؤدب” الطلبة على تجاوزاتهم سواء في حق زملائهم الطلبة أو في حق أساتذتهم. هذه المجالس يسعى البعض لتحويلها لمجالس عقاب تهدف إلى تدمير مستقبل الطالب المحال أو عقابه مهما شابت الشكوك حول إثبات “التهمة” عليه من عدمه، البعض يسعى لتحويلها إلى مجالس ذات رأي واحد وصوت واحد وموقف واحد ووجهة نظر واحدة متفقة على إدانة الطالب وتسليط العقوبة عليه مهما كانت الأدلة والوقائع، مهما كان دفاعه مقنعا ومهما كانت تقارير الأساتذة غير مكتملة وتشوبها بعض النقائص والإثباتات.

مجلس تأديب أو محاكمة عسكرية؟

نعم، لست بصدد الحديث عن محاكمات عسكرية، رغم التشابه الكبير بينها وبين موضوع الحال، بل الحديث هنا عن مجالس تربوية بإشراف بيداغوجي من المفترض أن تهدف إلى الإصلاح والتربية، لكنها أضحت بمثابة “قاعات محاكمات عسكرية” تسعى لتسليط أقسى عقوبة ممكنة مهما كان “الجرم”.
طيلة مسيرتي كممثل طلبة بمجلس التأديب، أو لسان دفاع الطلبة صلب المجلس، عاينت العديد من الحالات والملفات والإحالات على المجلس. عارضت خلالها العديد من العقوبات والقرارات المتخذة دون الأخذ بعين الاعتبار عدم كفاية الأدلة التي تثبت إدانة الطالب، وطالبت في وضعيات أخرى تخفيف العقوبة على بعض الطلبة الثابت ضدهم الفعل والمعترفين بما صنعوا.
عاينت تقارير، حررها بعض الأساتذة، بُنِيَتْ على تأويلات لا على وقائع. ولعل أغرب ما شد انتباهي طيلة هذه السنوات، إحالة طالب مرسم بالسنة الثالثة عربية على المجلس من أجل “التوجه بنظرات حادة” فَهِمَ منها الأستاذ “تهديدا واضحا” من جانب هذا الطالب (ح.ع) الذي يُعرف بدماثة أخلاقه ورصانته في العديد من مواقف المَِيزِ التي تعرّض لها بسبب “اللحية الكثيفة” المعبّرة عن التزامه الديني، ولعلّ هاته الحالة يمكن تصنيفها ضمن حالات “الميز على أساس القناعات الدينية والفكرية” إذ تم حرمان هذا الطالب بالذات من الخروج من قاعة الامتحان لغسل وجهه نظرا لارتفاع حرارة الطقس، داخل قاعات غير مجهزة بأنظمة تكييف للجو تضمن ظروفا ملائمة لإجراء الامتحانات ومزاولة الدروس، فيما سُمِحَ لغيره بالخروج من القاعة ونيل قسط من الراحة. إزاء هذا التمييز، احتج الطالب فما كان من الأستاذ إلا تحرير تقرير في حقه وإحالته على مجلس التأديب ليتم “توبيخه” وحرمانه من الإسعاف، عوض محاسبة البعض لتصرفاتهم المبنية على التمييز.
عاينت تقارير، كانت بمثابة ردة فعل من أستاذ على على صدّ إحدى الطالبات له بعد أن حاول التحرش بها، لكن في هذه الحالة بالذات لم تتم معاقبة الطالبة (غ.ه)، المرسمة حينها بالسنة الأولى جغرافيا، رغم اتهامها بالغش خلال الامتحان، لعدم كفاية الأدلة ضدها وأيضا لحيازتها على أدلة وشهادات تثبت التحرش الذي تعرضت إليه من قبل نفس الأستاذ الذي اتهمها بالغش، كما تم دفن الملف لاحقا وعدم استجواب الطالبة أو سماعها من قبل الإدارة من أجل محاسبة الأستاذ.

عاينت تقارير، كانت بمثابة “محاكمات الرأي”، تعرض الطلبة على أنظار مجلس التأديب من أجل مواقفهم النقابية والسياسية ودعواتهم للإضراب عن الدراسة أو حتى إعلانهم مساندته. وكم هي كثيرة هذه التقارير في مختلف أرجاء البلاد.
في الحقيقة، لا يسعني مقال واحد فقط لذكر جميع الإحالات الغريبة دون وجه حق والعقوبات المسلطة دون إثبات يذكر، لكنني اخترت لكم هذه الحالات لشيوعها داخل الوسط الجامعي. التمييز، الانتقام ومحاكمات الرأي تمثل أبرز الإحالات السائدة على مجلس التأديب إضافة إلى الغش في الامتحان الذي لا أتبنى الدفاع عنه بل أطلب دائما التخفيف من العقوبة المنجرة عنه.

من المسؤول؟

في الحقيقة، لا يمكن إلقاء المسؤولية على عاتق أحدهم دون الآخر. هي مسؤولية مشتركة في أغلب الحالات، من أستاذ تسرّع في تدوين تقرير بناء على سوء فهم كان يمكن التعامل معه بيداغوجيا وتربويا لا إداريا، و أعضاء مجلس تأديب قرروا العقاب حتى في ظل “عدم كفاية الأدلة” اللتي تثبت إدانة الطالب، ليجد الطالب نفسه مجبرا على الرسوب بعد طرده أو حرمانه من إحدى الدورات الرئيسية للامتحان أو دورة التدارك.
لكن دائما ما يوجد عنصر رئيسي محرّك للأحداث، وفي قضية الحال، عنصرنا الرئيسي (ن.ش) أحد أعضاء مجلس التأديب، أو بالأحرى الفاتقة الناطقة صلب “المحاكمة العسكرية”، والمهيمنة المسيطرة على خبايا وكواليس المجلس، صاحبة القرارات وأقسى العقوبات المتخذة سلفا، أو توحي بذلك، وصاحبة الرأي والموقف الأوحد الصحيح والمثالي والذي لا يمكن نقضه نظرا “لخبرتها طيلة ما يفوق العشر سنوات”. صاحبة السلطة والنفوذ تأبى النقاش في مواقفها، ترفض أي رأي مخالف لرأيها، تعتبر موقف لسان دفاع الطلبة “مجرّد صوت”، كما تعتبر موقفها “أغلبيا” دائما، وكأننا بصدد الحكم على مستقبل طالب أو طالبة بناء على ذلك “التصويت” لا بناء على وقائع وأدلة من شأنها إدانة “المتهم” أو تبرئته. صاحبة الحكمة البالغة والبصيرة الثاقبة والقول الأسلم والحكم الأنسب لا تحرم نفسها من متعة إهانة الطالب المحال على المجلس أو الضغط عليه واستفزازه بشتى الطرق والوسائل بغية “اقتلاع اعترافات” تحت تهديد “تشديد العقوبة”، بل لا تحرم نفسها أيضا من متعة إهانة كل الحاضرين بالمجلس سواء بتجاهل آراءهم أو بالتأثير عليهم ليصادقوا على ما قررت بل وتتفانى في إهانتها هذه التي بلغت حد قولها لممثل الطلبة الحاضر صلب المجلس والعضو القار به، شأنه كشأنها، “أنتَ هنا لتستمع إليّ وأنا بصدد الحديث وتصمت”، نعم! لأستمع إليها وأصمت.
فكرت حينها بمغادرة المجلس، لكن ما مصير الطالب “المتهم” حينها؟ كيف ستكون ردة فعلها ضده؟ ما مصير بقية الطلبة الستة المحالين على المجلس إثره؟ لم ينتخبوني من أجل مقاطعة المجالس، انتخبوني للدفاع عن مصالحهم، للوقوف في صفّهم في مثل هذه المواقف ولردع هذا “الجلاّد” الذي قد يسعى جاهدا ليضمن عدم حضوري لأي مجلس قادم بعد قراءته لهذه السطور.
وللحديث بقية…

بقلم: غسان بن جنات




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *