عين طبرنق مدينتي انا

399
تونس ريفيو.. للمواطن صورة وصوت وقلم ||

ما أجمله من هدوء لا شيء يقلقني هنا ..لا شيء يشغل انتباهي سوى ضجيج عقولنا الذي يقتلنا و نيران داخلنا تحرق كل شيء سلبي هنا … تجعلنا نشعر بالألم المفرح في ذواتنا ..تقتل كي تحي شيء ما يسمى الأمل و تؤسس لطريق جديد و تؤسس لمرحلة أخرى بعيدة عن ما مررنا به من سوء …هنا الليل في مدينتي السمراء هادئ .. لكن هُدوءَه يتصارع مع ضجيج مقاطع الحجارة و مع رَنَّات الشاحنات هنا ..أصوات تُطلق من مغاسلٍ و كأنها تعزف موسيقى أو سِيمْفُونِيَّة تكاد تكون هي الحياة هنا فلولاها لما أحسسنا بشيء هنا …و غياب هذه الأصوات يعني انعدام الحياة هنا …. في هذا الليل الهادئ تراودني فكرة الذهاب إلى الجبل الأسود و أقف على حافة قمته و أحمل معي عودا و أبدأ بالعزف و أقيم حربا على تلك الأصوات العالية و أطلق صوتي المملوء بالدخان كي يزاحم روائح دخان الشاحنات و دخان مقاطع الحجارة و دخان السيارات و احتراق الفضلات هنا …أطلق صوتاً منعشاً مقابل سموم تطلقها هذه الحلبة …لكن في هروبي للجبل قلت لعلني وجدت المكان الأكثر هُدوءا ..رأيت عالماً آخر ترى فيه حياة البعض الذين يحكمهم هاجس شرب الخمر في الأودية حتى يُحَمِّلون الجبال أوجاعهم أو ربما ذنوبهم …. تختلف الأصوات و الروائح و الأضواء هنا …و الكل سارح في عالمه الخاص …فسارعت الغناء و العزف رغم إني لست بعازفٍ…لكن قلت هي فوضى الحدث لِمَ لا أكون فوضويا و أغني شيئا ما يطيب الأجواء هنا في مدينتي….و غَنَيّْت و صوتي عَليّْت و جعلت من كلماتي لحناً راقصاً …ترقص عليه خفافيش الظلام على أنغام البومة و تتمايل عليه بعض الأفاعي …. في مدينتي هذه أَنْغامٌ تُؤسِسُ لِعُرسٍ مُحملة بعروسٍ ترتدي ثوب السواد و تُزوِّقها و تُزيِّنها ببعض من مميزات الجمال هنا …و تجعل من هذا الزفاف المعتاد سببا لتبكي قهرا لوداع ابنتها و هي كل يوم تودع أبناءها إلى أن تزف الكل و تبقى وحيدة تعانق السماء الملوثة بالديناميت و تعانق الأرض السمراء المرهقة التي عانت التفجيرات اليومية..وحدها تبقى ….تنتظر من يباركها و يحمل وجعها …فلا أحد يعرف معنى الحياة هنا ….
بقلم محمد علي جرادة




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *