عندما يبكي البحر .. في غياب الدولة !

157
تونس ريفيو.. للمواطن صورة وصوت وقلم ||

“الداخل فيه مفقود و الخارج منه مولود” هكذا اختار التونسيون القدامى وصف البحر في جملة واحدة. جملة كفيلة باختصار كلّ الوجع الذي حملته قلوب أمهات الغرقى و دموع أصدقائهم و أقاربهم.

أمّا نحن – الواقفون على الضفة الأخرى للهلاك – فلا خيار لنا إلا أن نراقب في صمت.

تظلّ الدولة كسلطة تلمّ بأخبار البلاد و العباد ساكنة أيضا أمام هذا الكم الهائل من الدفق نحو الموت. و يردد الكثير من الحرّاقة “موت أرحم من موت”. لا نرى تعاطيا إعلاميّا سوى بلاتوهات تلفزية و سياسيين متأنقين يناقشون مطوّلا وضع حلول للتشغيل ولفائدة الشباب العاطل عن العمل، إيجاد بدائل للتنمية، تحسين المعيشة ، ترفيع المقدرة الشرائية للمواطن، تحسين المنظومة التعليمية و محاربة الفساد. حوارات قد تختلف مواضيعها لكنّها تتشارك في العقم دائما. أمّا عن الحوارات التي تحدث بين العامّة فهي لا تختلف كثيرا عمّا سبق إذ تظلّ سابحة في السّواد بين البقاء في التهميش و الفقر و الطموح إلى الهجرة و المال رغم علمهم علم اليقين بما تتكبّده عناء السفرة و ما ينتظرهم من سراب بعد عبورهم البحر.

هكذا يلقي شبابنا بأنفسهم دون تكلّف و لا تفكير راغبين في حياة أفضل على حساب حياتهم. لعلّ البعض منّا يتفاعل مع الأمر فيخبر المقبل على “الحرقة” بأن ما يحلم به في بلاد الغرب ليس حقيقيا إلاّ أنه سيفاجئ بأن الطرف المقابل يعلم ذلك جيّدا لكنه يصرّ على المغادرة واصفا هذه البلاد بأبشع النعوت.

لن نلوم أحدا أكثر من الدولة. هذه الأخيرة التي انتخب أطرافها بكامل النزاهة و الشفافيّة لأجل أهداف لم يتحقق جلّها و أهمّها ألا و هو التشغيل. نلومها مطوّلا و لا نقدر على فعل شيء.

حتى الثورة لم تنفع أمام هذه الوجوه المتيبّسة من الفساد و التي لا تبرح مكانها إلا لتضاف لقائمة الوزراء الجدد.

تبقى الفصول 8 و 12 و 40 من دستور 26 جانفي 2014 مكسبا على ورق:

“.. تحرص الدولة على توفير الظروف الكفيلة بتنمية قدرات الشباب و تفعيل طاقاته و تعمل على تحمّله المسؤولية و على توسيع إسهامه في التنمية الاجتماعية و الاقتصاديّة و الثقافيّة و السياسيّة.”

“تسعى الدولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية و التنمية المستدامة و التوازن بين الجهات ..”

“العمل حقّ لكل مواطن و مواطنة و تتّخذ الدولة التدابير الضروريّة لضمانه على أساس الكفاءة و الإنصاف. و لكل مواطن و مواطنة الحق في العمل في ظروف لائقة و بأجر عادل.”

لم تعد قضية الهجرة الغير شرعيّة خرقا للقوانين فقط ، بل أصبحت الحل الوحيد أمام هؤلاء الشباب أمام خرق الدولة لقوانينها مرفّعة بذلك عقوبة السجن من شهر واحد إلى خمسة عشر عاما لمرتكبي الهجرة السريّة عوض تكثيف الجهود لإيجاد حلول اقتصادية و تنمويّة تنقذ مستقبل البلاد.

غرق عشرين مهاجرا لا يعدّ بالتالي حادثا مأساويا لا غير، بل يتجاوز ذلك إلى فشل كلّي لسياسة الدولة بعد ثورة 14 جانفي و عليه، يلغى شعار “الشباب هو الحل” أمام بقائه متخبّطا دون حلول حقيقيّة.

لا ينفي هذا المشكل وجود بصيص أمل في شباب تمكّنوا رغم كل المصاعب التي واجهتهم -كإغلاق باب الانتدابات بالوظيفة العموميّة ، ارتفاع نسبة المحسوبية و حالات الرشوة و الصد من قبل البنوك و المؤسسات الخاصّة- من السعي وراء طموحهم و بعث مشاريعهم الصغرى دون انتظار و لا تردّد.

و لكن هل يستطيع هذا العدد الهائل من أصحاب الشهائد العليا المضيّ في طريقهم دون مدّ يد العون؟

مقال رأي بقلم آلاء بوعفيف

مصدر الصورة:موقع cartableالفرنسي




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *