ذاكرة المخيم… ما لم يرو من قبل(3) !

551
تونس ريفيو.. للمواطن صورة وصوت وقلم ||

ذاكرةُ المخيّم … ما لم يُروَ من قبل! ليلة هدم بيت الجيران !
كان صوت المحرك القوي يهدر ليقلق راحة تلك الليلة، كان أهل البيت المستهدف قد تم تبليغهم بقرار الهدم، ولم يكن يفصل بين بيتنا وبيت “أبو رامي عزارة” سوى زقاق صغير لا يتجاوز اتساعه المتروالنصف! وبهذه الأمتار الصغيرة تعرف دائماً أنك في المخيم!
كان الشاب ملاحقاً لفترة طويلة، اقتحامات الجنود لبيت أهله كانت متواصلة في محاولة لإيجاده، كل ذلك حدث بعد حادثة قتل أحد الجنود التائهين في مخيم البريج، كان يدعى “أمنون” فيما يبدو أن حظه العاثر جعله يتيه وهو يقود سيارته شاعرا بالأمان حتى وجد نفسه بين الأزقة المعبأة بالناس المعبأة بالظلم بفعل ما جنته حكومته وكل من يرتدي الزي العسكري البغيض، لقد اجتمعت عليه عذابات الشباب الواقع تحت قوانين الاحتلال، لقد كان عدوا مدججا بالسلاح والحقد والأوامر العسكرية، ولقد كان تائها ووحيداً فضربوه وانتقموا حتى فارق الحياة، كان انتصارا للمخيم ومحاكمة شعبية على دولة مغتصبة مدرعة بالفولاذ بان منها أصبع فقطع، وهكذا جرى اتهام كل شباب المخيم وملاحقتهم!
كنت معتادة على النوم في حضن جدتي و في غرفتها التي كانت الأقرب لبيت الجيران المستهدف هذا، ولا أنسى كم بدا الأمر مخيفا، لقد كنا نتوقع أن أي خطأ صغير قد يوقع السقف أو يهدم الحائط، وكان حجم الضوضاء كافيا ليستيقظ أهل بيتنا وكل البيوت المجاورة وأظنهم مثلنا شعروا بالعجز والحزن وقلة الحيلة!
تم توجيهنا من قبل أبي لنذهب إلى أبعد نقطة واتجاه ممكن داخل بيتنا ودون أي قدرة لأحد على إيقاف ما يحدث في الخارج!
كان الأمر قد حسم، وقد أبلغ أهل البيت بقرار جيش الاحتلال بالهدم قبل ليلة واحدة مما دعاخم وعلى جه السرعة لتفريغ حاجاتهم الضرورية في إحدى غرف بيتنا حتى حين، كان أهل رامي قد لجأوا إلى بيت جدهم الذي لم يكن بعيدا عن بيتهم ليبيتوا غير عارفين ماذا سيحدث بعد ولا كيف سيكون مصيرهم بعد ذلك!
كان صوت الجرافة وحده يعلو في تلك الليلة، يعلو ويسقط فوق قلوبنا وفوق الجدران، انتهوا من تسوية الحجرات بالأرض، وبقي الجدار المشترك مع جيرانهم الآخرين قائما في استئصال شبه متقن لما كان بيتا يحمل الدفء والأحلام وربما الثورة والغضب!
كل ذلك حدث بعد أن كان رامي الشاب الملاحق في الأسر، ولأسره قصة يمكن أن تروى فقد حاول الاختفاء طويلا ونجح فيه مما أثار غيظ الجنود ودفعهم إلى تهديد أمه بما لا تطيقه، وتخريب عائلتها تماما، لقد خلصت إلى أن فاتورة ضخمة مثل هذه لا يمكنها أن تحتملها وأن رجلها الصغير عليه أن يصبح البطل الجديد خلف القضبان ، وهذا ما كان! كانت تعرف أين هو وذهبت لتطعمه ما لذ وطاب، وتملأ معدته بما يحب، ذهبت لتبكي وهي تحتضنه وتوصيه وربما تعتذر في داخلها لأنها أنجبته لكونها تتخيل ما سيلاقيه من عذاب، كان ذلك دون صوت! لكنها بكل قوة وصلابة كانت بصوت واضح تفخر بصغيرها الذي دوخ الجنود وأقلق راحتهم! أظن أن الأمر كان لا يمكن وصفه، ولكنه للسخرية ما زال مستمرا حتى يومنا هذا، سجون كبيرة تزدحم بسنوات الفلسطينيين وتمتص ربيع شبابهم، ورغم أنها تعمل على تلاقح التجارب في ذلك المجتمع الكبير لكن السجن يبقى قاسيا وسالبا للحرية والحق الطبيعي في الحياة!
بعد أن أشرقت شمس اليوم التالي للهدم، خرج المخيم يتفقد البيت الذي أصبح أكواما من الحجارة ولم تعد له حرمته التي كانت بمن كانوا يسكنونه، لقد بدا كل شيء جارحا وثقيلا ومثيرا للبكاء، ولقد كانت العيون مليئة بالغضب والقهر!
لم يحدث أن تاه جندي آخر في المخيم ، لكن شبابه وأطفاله ظلوا يلقون الحجارة عاما بعد عام، يشعلون الإطارات لتحجب الرؤية على الجنود ويطلقون الزجاجات الحارقة في محاولة لصنع سلاح ما يمكنه أن يكون مخيفا وهويصطدم بالمركبات المصفحة ويشتعل أو إلى جانب الجنود الواقفين خلف المتاريس والجيبات العسكرية!
بعد سنوات طويلة قاربت العشرين عاما وأنا هنا لست دقيقة تماما عرفت أن رامي خرج من الأسر، كنا قد اصبحنا في زمن الفيس بوك وثورة الاتصالات وكانت أوسلو قد وقعت بعد سنوات من النضال الشعبي الذي أدهش العالم وجعله يتضامن مع قضة الشعب المحتل، لقد شعرت بالسعادة لخروجه رغم أنني لم نعد جيرانا بعد، ولم أتمكن أبدا من سماع روايته لما عايشه قبل وبعد وأثناء كل شيء!
لقد كان “مخيم البريج ” حيث ولدت وكبرت ودرست مرحلتي الابتدائية وخرجت في المظاهرات وعشت الإضرابات وسمعت دبيب الثورة، أحد المناطق المزعجة والمعبأة بما يقلق راحة المحتل ويجعله مستنفرا لا يعرف الهدوء، إنني مصرة على توثيق وكتابة كل ما شهدته وإن كان بعضا مما حدث، إنها قصص لا يجب أن تنسى تلك التي وعيتها أو التي ما زلت أسمعها كذاكرة بين وقت وآخر، تأتي كحديث عابر أو مقصود!
تلك قصة أخرى إذن وللحديث بقية.

مصدر الصورة المصاحبة : موقع فلسطين اليوم .




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *