صرخة نهد

189
تونس ريفيو.. للمواطن صورة وصوت وقلم ||

تحاول حشري يوميا في حمالة صدر أسفنجية حجمها يفوق حجمي مرتين ثم تضع فوقهما أخرى قطنية ضيقة حتى يكون المظهر أكثر تناسقا، ليصر عملها نحتا مرمريا متقنا، تقف أمام المرآة لتنظر إلى منجزها الفني والفخر يفوح من ابتسامتها المقتضبة. ترتدي قميصا حريريا رقيقا، تأخذ موقعها أمام المرآة مجددا لتصادق نهائيا على مظهرها لهذا اليوم.
تتوجه إلى عملها متلرجلة وتنسى ضجيج الشارع وصخب الناس في الطريق إلى أن تفيق فجأة على صرير الفرامل، يخرج السائق رأسه من النافذة ليشتمها لعدم انتباهها، أحس بالانكماش تحت الحمالة، كأنني بدأت أتقلص شيئا فشيئا كأن الأسفنجة تتشربني لأختفي داخلها.
تندم لأنها فكرت يوما في تحوير الهيئة التي جاءت بها إلى هذا العالم، أحس بأنني تحررت من سجن الأسفنجة وأن قضبان الحمالة تفككت فجأة، لم أعد أشعر برغبتها اليومية في وأدي، توقفت أمام كشك لبيع السجائر اقتنت علبة من النوع الفاخر وولاعة، رغم أنها لا تدخن، رمتهما في حقيبتها اليدوية وواصلت طريقها نحو وجهة لا أعلمها، إن ذلك يثير قلقي، سلوكها يزداد غرابة يوما بعد يوم. لقد نسيت أنها تقصد ذلك المكان المليء بأناس لا يعون بوجودها بينهم وإذا وعوا بوجودها فإن وعيهم لا يتجاوز بعد الاستنكار أو الاستهجان أو المحاسبة، نسيت أنني من المفروض أن أذهب إلى ذلك الركن الخانق بكراسيه الشوكية وإضاءته الحزينة ورائحته العفنة، حيث أتعرق بشدة وأحس بأن رأسي سينقطع في أي لحظة لأنها تحكم شد الحمالة من حين إلى آخر، أصبحت تقوم بذلك الفعل التعذيبي بطريقة ميكانيكية خالية من كل شعور، كأنما انفصلنا عن بعضنا البعض، أي لعنة ألحقت بها من برزت بكل وقاحة عند سن البلوغ ثم توقفت عن النمو فجأة، لقد انتظرت مني الكثير وصبرت طويلا و لم تنل شيئا، إنني حمل ثقيل يقيم على صدرها منذ سنوات، انى ستبدأ بالتدخين الآن، فأصاب بذلك الداء الخبيث وأقضي على حياتها.
وصلت إلى المكتب، سمعت توبيخ مديرها المعتاد الذي لم تعد تشعر به كما لم تعد تحس بي، جلست إلى منضدتها تحاول تنظيم الملفات التي تشابكت تشابكا خانقا حتى تبادر إلى مسمعها صوت إلى الزملاء يطلب وثيقة ما ويضع في فمه سيجارة غير مشتعلة كأنه لم يجد ولاعة، مدته بالوثيقة وفي نفس الآن أخرجت الولاعة من حقيبتها وتجاسرت لتشعل سيجارته وهي تنحني قبالته محاولة تقليد نجمات الإغراء، أتعرق بشدة تحت وطأة تلك الجرأة المفاجئة، انزلقت الحمالتان، وسقطتا تحت القميص الحريري، ضحك الرجل منها بعد أن سحب نفسا عميقا من سيجارته، تركها تتخبط في خجلها القاتل، أحاول تمزيق تلك الشرايين والأوردة التي تربطني بها.

بقلم زينب هداجي




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *