” سكيزوفرانيا الأيديولوجيات و فوبيا الفرنكفونية “

196
تونس ريفيو.. للمواطن صورة وصوت وقلم ||

لو كنت مكانك عزيزي القارئ فلن أبرح حتى أبلغ مجمع الحروف و الكلمات أو أمضي حقبا بين ثنايا السطور…
أيام معدودة تفصلنا عن “الكريسماس” أو ما أطلق عليه رأس السنة الميلادية و ستصبح القضية الفلسطينية مجرد ومضة شاردة على نسق صوري صامت كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
أهل شهر كانون الأول فإختلط الحابل بالنابل في بلاد المسلمين و بدأت طبول الطرب و اللهو و الغناء و إحتساء الخمور تقرع لتتلاشى معها فسيفساء القدس و مختلف القضايا الجوهرية و تصبح في طي النسيان….،
القدس عابرة موسمية كسحابة تموز لا تمطر من أجل شباط هكذا إنعكست صورتها في مرآة العرب… لقد عودتمونا دائما بفقاعاتكم التي لا تدوم طويلا في السماء لتعود زوجة حاتم الطائي لعادتها القديمة.
ستتسائل من هي حليمة زوجة حاتم الطائي و ماهي عادتها القديمة… أنا نفسي لا أعلم ذلك يمكنك البحث بمفردك في محرك البحث جوجل بعد أن فقدنا أمهات الكتب، لا تأخذ كل المعلومات مسلمة حتى لا يتم خداعك.
الآن عليك إحتساء قهوة دون سكر على أنغام زهرة المدائن و إستنشاق صوت القدس من مزهرية لا أزهار فيها لأنه سيتم التلاعب بأفكارك.
رجعت به الذاكرة إلى إلى أيام دراسته الجامعية في العاشر من كانون الأول على ما يعتقد…حينها كان يتسكع في الضاحية الشمالية للمدينة فمر بجانب المركز التجاري “كارفور” ، لمح أحدهم يتحاور مع البائع حول ثمن شجرة الميلاد التي تمثل الطفل يسوع حسب القديس بونيفاسيوس.
أخبرني الهدهد أن أطوار هذه القصة تعود إلى القرون الوسطى بألمانيا حيث كانت بعض القبائل الوثنية تزين الأشجار و تقدم على إحداها ضحية بشرية قبل تدخل القديس بونيفاسيوس و تخليص الطفل من الموت الحتمي حسب ما جرت به العادة. و أنشد يقول :” أن الإله الحي هو إلاه السلام و الرفق و المحبة الذي جاء ليحصل لا ليهلك.”
حيث كان أول ظهور رسمي لشجرة الميلاد في القرن السادس عشر في كاتدرائية ستراسبورغ في ألمانيا.
و تزين هاته الشجرة بالتفاح الأحمر، الورود، و أشرطة القماش.
إذ يرمز الشوك إلى إكليل المسيح و الثمر الأحمر لدمه، أما الأجراس ترمز للرعاة الذين بحثوا عن المسيح و وجدوه، أما بالنسبة للنجمة التي توضع فوق الشجرة فهي نجمة بيت لحم التي هدت المجوس الثلاثة.
التعادل الذي يحدث عند تفوق الآخر عليك دون أن يستطيع أن ينهي المباراة هو تعادل بنكهة الخسارة للإثنين معا.
أنت خاسر هذه المرة و الخاسر عادة ما يكمل القراءة…
أجده في خضم هذا المشهد السرمدي كعابر سبيل فقد راحلته في الصحراء الكبرى أو بالأحرى كشعور ربان سفينة غرق سائر طاقمه جراء عاصفة هوجاء في أعماق وحدة ماريانا بالمحيط الأطلسي. يمكنك إختيار إحدى الصفتين فأنا لست مسؤولا عن مزاجك و إختياراتك.
أيعقل أن يحتفل مسلم بعيد ميلاد الرب حسب أحد المذاهب أو بعيد إبن الرب حسب إعتقاد المذهب الآخر…
إسئل نفسك هل يمكن لشخص ما يتلو سورة الصمد أن يحتفل بهكذا أعياد…
اليوم أمة محمد صلى الله عليه و سلم تتبادل الهدايا الحمراء تزين بيوتها بشجرة الميلاد..تترك نوافذها مفتوحة لسانتا كلوز.
مظاهر يندى لها الجبين و يتفطر لها القلب…خير أمة أخرجت للناس يتراشقون بالبيض…خير أمة أخرجت للناس تسكب على بعضها البعض الحليب إحتفالا برأس السنة الميلادية.
لا شيء يعبر عن إستغرابه سوى ذهول سارة لما بشرت بإسحاق عليه السلام.

إنهزام نفسي… إستعباد فكري… ضياع للمبادئ مشهد أصبح يعكس تبعية مهينة للغرب و تحقيق دقيق للحديث النبوي الشريف ” حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ”
أحتسي في اليوم الواحد زجاجتين من الإستغراب و الدهشة و أحقن نفسي بمورفين الحيرة و الإستفهام لهذا الواقع المرير ثم أكسرهما تاركا قنينة المورفين فقط و أبدأ بالضحك.
يستغرب الهدهد من المواطن التونسي الذي يفرح بولده و هو يتحدث الفرنسية و ينسى أن الفرنسي أشد فرحا منه بهذا الولد الذي يضمن له استمرارا لمنظومته الإستعمارية.
يتعجب الهدهد من التونسي و هو يعتصر إعتصارا و يتصبب عرقا كي ينطق الفرنسية بشكل جيد أمام ذلك الفرنسي المتعجرف فيتخذ سبيله فرحا و كأنه تحصل على جائزة نوبل.
لا تصدق كل ما يقوله لك الهدهد فهو لن يخبرك عن مدينة سبأ.
تألم الهدهد لمشاهدة الرجل التونسي بشعره الأسود يداعب ولده: ” سافا مون بوتي، بيزو بابا” و يظن المسكين أنه الأب المثالي.
لا فخر للتونسي حين يتكلم الفرنسية و يتقنها لأنه لم يتعلمها حبا في الثقافة و إزديادا في المعرفة، بل لم يتقن حتى لغته الأم، و إنما تعلمها إضطرارا و طلبا للقمة العيش فهو يعلم أنه إن لم يتكلمها بطلاقة فلن ينال ما يستر به سوءته و يسد به جوعته… كحال العبيد زمن الفراعنة حين كانوا يتعلمون لغة الأسياد طمعا في القرب، فكان تعلمهم للغة الفراعنة ميزة أو مظهرا من مظاهر العبودية…
لا ترهق نفسك بالتفكير فهذا السؤال موجه للهدهد.
شيء جميل أن تتعلم لغات أجنبية فمن تعلم لغة قوم أمن مكرهم… شيء جميل أن تفقه لغة موليار و هيجو و تنظر ماذا كتب سارتر في الوجودية و أن تفتح نوافذك لكل رياح العالم لكن دون أن تقتلعك من جذورك.
سيتحول حائط مارك الأزرق إلى كاتدرائية في الخامس و العشرين من كانون الأول ليتواصل إلى أول أيام كانون الثاني فهنيئا للغرب الذي سيطر على معتقداتنا و نجح في أن نكون صورة مماثلة له و من يأبى أن يتشبه بهم سيغرد خارج السرب و ينعت بأبشع الصفات من أبناء عشيرته.
للغريب حق في غربته ربما……”

بقلم هشام مشوش




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *