شبهة فساد في صفقة تجهيزات مراقبة السلامة المركزة داخل خزانات رادس

224
تونس ريفيو.. للمواطن صورة وصوت وقلم ||

بقلم  عثمان عمر

تم سنة 2007 تركيز 4 خزانات للغاز بمركز رادس ،سعتها الجملية تقدر ب 16 ألف متر مكعب..وقد تم اعتماد طريقة مغايرة لمراقبة هذه الخزانات وهي “controle par emission acoustique . “بالاستئناس بالطريقة القانونية للمراقبة عبر الاختبار بالضغط”epreuve hydrolique”..وقد تم تركيب أجهزة استشعار عن بعد داخل الخزانات ووقع ربطها بأجهزة لوجستية ليتمكنوا بواسطتها من رصد وضعية الخزان بأكمله .وبعد الانتهاء من عملية التركيب تم تغليف الخزانات بحاجز من الاسمنت والرمال وهي طريقة تسمى بسو طالي sous talus وبالتالي لم يتركوا مجالا لامكانية المراقبة بالاختبار بالضغط الذي يتم عن طريق وضع الة قياس تسمى “manometre ” على الغلاف الخارجي لكل خزان وهو في حد ذاته تجاوز للقانون باعتبار انه نص على المراقبة بالطريقين .. وبعد الانتهاء من العملية بأكملها اتضح ان 30 بالمائة من تلك الأجهزة التي تم تركيبها تعطلت وبالتالي لم يعد بالإمكان القيام لا بعملية المراقبة ولا الاختبار الذي يجب ان يتم كل 10 سنوات .واصبحت هناك مناطق غير مؤمنة وغير مضمونة. مع العلم ان تلك الخزانات les spheres متواجدة بمنطقة بترولية متاخمة لموانئ نشيطة وحيوية وتشهد اكبر واقوى العمليات التجارية والاقتصادية وهو ما يضاعف حجم الخطر عشرات المرات باعتبار ان اي انفجار في خزان من تلك الخزانات سيقضي على المنطقة بأكملها.
استحالة المراقبة
وقد اكد لنا مصدر من وزارة الصناعة ان لها فرق مراقبة مرخص لهم يتولون مراقبة خزانات الغاز كل 10 سنوات باعتبار ان ضمانات السلامة لا تكون صالحة الا لمدة 10 سنوات فقط ويتم بعدها اعادة اجراء الاختبار والتثبت من السلامة عبر المراقبة . وأكد لنا مصدرنا المسؤول بالوزارة ان الشركة البترولية العمومية “عجيل” هي التي قامت بتركيز الخزانات sous talus ،وانها امدت ادارة السلامة بصلوحية تلك الخزانات لمدة 10 سنوات على امل ان تواصل مراقبتها والتثبت من سلامتها عبر تلك الاجهزة المخصصة للاستشعار عن بعد ” les capteurs ” .غير ان عدد كبير من تلك الاجهزة تعطل. وقال مصدرنا ان الشركة المعنية اقرت بوجود الخلل واكدت انها بصدد البحث عن حل للخروج من هذه الورطة محاولة النظر في امكانية اصلاح اجهزة الاستشعار عن بعد قبل حلول موعد اعادة الاختبار.وحسب المصدر نفسه فان الاقرب الى الواقع هو انه سيتم هدم وازالة تلك الخزانات مشددا على ان الخسائر كبيرة . مع العلم ان القانون ينص على انه في ظل غياب السلامة والضمانات ،فانه يتم التوقف عن استغلال تلك الخزانات لما تمثله من خطر قد يهدد منطقة بأكملها..
ايقاف الخزان 104 عن العمل
اليوم انتهت المدة المقدرة بعشر سنوات(منذ 2007 الى 2017) وكان لزاما على الشركة البترولية العمومية ان تجد الحل..فاما اعادة الاختبار او ازالة الخزانات ان تعذر اعادة اختبار السلامة..

عدنا الى وزارة الصناعة نبحث عن مصدر رسمي يمدنا بالحقيقة كاملة دون تزيين ولا تبسيط ولا تهويل..وبعد محاولات متعددة وبعد اتصالات مطولة جمعتنا بهم، تمت الموافقة على ان يكون لقاءنا الرسمي وحوارنا المتعلق بالسلامة في المنشآت الصناعية مع مدير عام ادارة السلامة التابعة لوزارة الصناعة محمد العبيدي ..

حدثنا السيد محمد العبيدي عن المهام التي تقوم بها ادارتهم على غرار الترخيص ومراقبة فتح واستغلال المؤسسات الخطرة او المخلة بالصحة او المزعجة..كما تقوم ادارة السلامة بالمراقبة الفنية واسناد ترخيص لهياكل المراقبة الفنية والتي يصل عددها الى 34 مكتبا لتعاطي نشاط مراقبة فنية واختبار..وتتمثل مهام تلك المكاتب في مراقبة واختبار الالات البخارية والات الضغط الغازي ومعدات نقل الغاز القابل للاحتراق عبر الانابيب..كما تقوم بمراقبة شبكات الغاز في الميادين الصناعية ومراقبة شبكات الكهرباء في الميادين الصناعية ايضا ومراقبة الات الرفع والمصاعد ومعدات نقل المحروقات عبر الانابيب..

سالنا السيد محمد العبيدي عن المكتب الذي قام بمراقبة واعادة اختبار خزانات رادس وسالناه ان كانت الشركة قد اوجدت حلا بالنسبة الى الات الاستشعار عن بعد المعطلة ليتمكن المكتب من اجراء الاختبار المطلوب منه.اجابنا السيد العبيدي انه لا وجود حاليا لاي مكتب مؤهل للمراقبة ..واضاف ان “عجيل ” سبق وان اكدت في مراسلات سابقة لها انها بصدد البحث عن حلول تتمكن بواسطتها من مراقبة الخزانات المغطاة واعادة اختبار سلامتها،لكن في النهاية لم تجد اي حل.(ومنطقيا لو كان هناك حلا لأوجدته الشركة منذ 10 سنوات )..وكانت النتيجة النهائية هي انها بعثت بمراسلة لكل من ادارة السلامة ووزارة الصناعة (حصلت الشعب على نسخة منها ) بتاريخ 27 جويلية 2017 تعلمهما فيها انه في اطار اعادة التأهيل الدوري لأربعة خزانات دائرية مغطاة لتخزين غاز البترول المسيل بمركز تعبئة الغاز برادس قررت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع البترول اجراء اختبارات على الخزانات تباعا وذلك طبقا لكراس الشروط المتفق عليها ضمن محضر جلسة بتاريخ 14 فيفري 2017 بحضور ممثل عن الادارة العامة للطاقة وممثل عن ادارة السلامة اضافة الى فريق المشروع من الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع البترول،وعليه تقرر وضع الخزان رقم 104 خارج الخدمة ابتداء من 30 اوت 2017 حتى اعادة تاهيله ثم اجراء الاختبارات على بقية الخزانات الواحد تلو الاخر دون انقطاع ..وبالتالي تصبح طاقة الاستيعاب القصوى لخزن الغاز مقتصرة على ثلاث خزانات بسعة 6 الاف طن..

وحتى الاختبارات التي اكدت شركة استغلال وتوزيع البترول انها ستقوم بها تباعا على الخزانات الثلاثة الباقية والتي مازالت امامها مهلة بسنة فقط باعتبار ان تاريخ انتهاء مدة الاختبار الاول تنتهي في اوائل 2018 لن تكون في المتناول باعتبار ان ما حصل في الخزان رقم 104 ينسحب على بقية الخزانات ..ولكن رغم ذلك اصر السيد محمد العبيدي على ان ادارة السلامة دورها يقتصر على تذكير الشركة بآجال اجراء الاختبارات وبانتظار الملف الذي ستقدمه حول طريقة الاختبار والمراقبة وليس دورها تقديم مقترحات او البحث عن حلول..واكد انهم لن يتخذوا اية خطوة الا عند حلول الآجال ،فان تقدمت بحلول مقتنعة ومناسبة سياذنون باجراء الاختبار وان لم تجد حلولا مثلما ما تدعي فان الخزانات الباقية ستلاقي نفس مصير الخزان رقم 104 وستتوقف عن الخدمة ..

اما عن الاجراء الذي يمكن اتخاذه في شان من اشرف على هذا المشروع الذي كلف ميزانية الدولة اموالا طائلة ليتضح في النهاية انه فاشل،قال انه لا يمكن الاجابة على هذا السؤال وان ادارته غير معنية المساءلة والمحاسبة..
امكانية مساءلة الوزير في مجلس النواب
ولان مجلس نواب الشعب قام بمساءلة العديد من الوزراء واصحاب القرار عن مسائل لها علاقة بالصالح العام،ارتاينا الاتصال بلجنة الطاقة في مجلس النواب عما يمكن ان تفعله في ملف خزانات الغاز برادس الذ ي يعتبر من الوزن الثقيل باعتبار ان الشركة البترولية المعنية قد انفقت عليه ما يقارب 80 مليون دينار من الاموال العمومية ثم تقرر في النهاية ايقاف احد الخزانات في انتظار ايقاف الثلاثة خزانات الباقية…سالنا النائب عن الجبهة الشعبية زياد الاخضر بصفته عضوا في لجنة الطاقة،كيف يمكن ان تتوقف الخزانات عن العمل دون مساءلة ودون تحقيق للوقوف على اسباب العطب وتحديد المسؤول عن ذلك خاصة وان وراء الموضوع شبهة فساد وتلاعب ..سالناه كيف لا يتم اتخاذ الاجراء المناسب ضد المتسببين في اقتناء تجهيزات معطبة بكلفة مرتفعة جدا لتشكل في النهاية خطرا على سلامة منطقة رادس وما جاورها ..مع العلم ان القانون عدد 56 ينص على ان المراقبة لا تتم الا عن طريق الاختبار بالضغط” epreuve hydrolique ” ولا يوجد اي نص قانوني يسمح باعتماد طريقة الاختبار التي اعتمدتها “عجيل في مركز رادس وهي contrôle par emission acoustique ..اي ان هناك تجاوز واضح للقانون …عن كل هذه الاسئلة اجابنا زياد الاخضر ان الوزراء فقط يساءلون في قبة البرلمان لا غير..وبالنسبة الى المسؤولين في الادارات العمومية والمؤسسات الكبرى فان مساءلتهم تتم من طرف سلطة الاشراف التي ينضوون تحت لوائها ..
وعن ملف خزانات الغاز برادس ،قال زياد الاخضر انه يبدو على غاية من الخطورة واكد ان اللجنة ستقوم بدراسته ،واذا ثبت ان هناك تجاوزات او شبهة فساد مالي وتلاعب بالصفقات او تبديد للمال العام وتهديد للامن الوطني وللصالح العام،فانه يتم وقتها مساءلة وزير الطاقة باعتباره يتراس سلطة الاشراف التي تتبعها الشركة التي قامت بتركيز الخزانات وتركيب تلك الاجهزة فيها..
من جهتنا نلفت نظر الحماية المدنية بصفتها هي الاخرى مسؤولة على مراقبة مدى احترام الاجراءات القانونية في مجال السلامة للمنشات الصناعية ،وندعوها الى التدخل لايقاف خطر قد يحدث..
تقرير دائرة المحاسابات يكشف
وعموما هو ليس الملف الاول الذي يثار حول مسالة الاخلالات وسوء التصرف في المنشات التابعة لشركة استغلال وتوزيع البترول اذ سبق ان تطرق التقرير الثامن والعشرين لدائرة المحاسبات،الى هذه المسالة وقد كشف في وقت سابق عن محدودية طاقة الخزن من خلال غياب رؤية إستراتيجية ومخططات متوسطة وبعيدة الأمد وتأخير في انجاز بعض المشاريع على مستوى المستودعات ونقص في وسائل متابعة المخزون إلى جانب عدم التقيد بالسقف القانوني للمخزون الاحتياطي (بنزين وفيول). كما تم إبراز تدهور مؤشرات النشاط عبر تراجع حجم المبيعات من 6ر1 مليون طن مكافئ نفط في 2008 إلى 3ر1 مليون طن مكافئ نفط خلال فترة ما بعد الثورة مع تراجع حصة السوق من حوالي 43 بالمائة سنة 2007 إلى 40 بالمائة وتقلص المبيعات على مستوى الشبكة من خلال تراجع عدد محطات التوزيع. وكشف التقرير أيضا تسجيل اخلالات على مستوى التصرف في المحطات. وبالاضافة الى هذه المسالة هناك العديد من مظاهر سوء التصرف ومن الاخلالات التي تطرق اليها تقرير دائرة المحاسبات.ومن بين الامثلة العديدة التي طرحت،هو ان تكلفة نقل متر مكعب من المحروقات في مستودع حلق الوادي هو 8.2 دينار وذلك عن طريق الخواص في حين يتكلف 16.4 دينار بالنقل عبر الشاحنات الخاصة بالشركة.مما يعني ان تكلفة نقل السلع في شاحنات الشركة تساوي ضعف نقلها في شاحنات خاصة مما يطرح نقاط استفهام حول سلامة هذا التصرف.وجاء في التقرير ايضا ان هناك 200 محطة تابعة لعجيل اسند فيها التصرف قبل الثورة الى اشخاص اثر توصيات مباشرة من الرئيس المخلوع،ومع ذلك لم يتم الى حد الان الا استرجاع 3 محطات فقط. اما المشكل الآخر فيتعلق بمعلوم الكراء السنوي لبعض المحطات والذي لا يتجاوز 1% من هامش ربح المحطة،أي ان محطة على ملك الشركة تكون عائداتها السنوية مثلا في حدود 100 مليون،يكون معلوم الكراء لفائدة الشركة مليون لا غير. كما تسند الشركة قروضا للمتصرفين في المحطات..وقد تبين أنه من خلال الطريقة الحالية لإستخلاص هذه الديون،فان الشركة لن تسترجع ما تخلد بذمة المتصرفين من ديون إلا بعد 20 سنة.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *