عودة إلي الكامور

494
تونس ريفيو.. للمواطن صورة وصوت وقلم ||

تعيش عاصمة الصحراء التونسية تطاوين شهرها الثالث على وقع اعتصام “الكامور ” الذي سلط الضوء على مجموعة من المطالب الشرعية لأبناء الجهة الذين اعتبروها مطلبا شعبيا لما تتضمنه من أهداف سامية تخدم المصالح العميقة للدولة و الشباب في خضم ما تشهده تونس من تحولات اجتماعية .

لعل من أبرز مظاهرها اتساع الهوة بين الطبقات داخل المجتمع و تحولات اقتصادية كان للأزمات المالية فيها نصيب الأسد ،و الجدير بالذكر أن هذه الاحتجاجات قد عرفت بداياتها الأولى عن طريق الفايسبوك بالسؤال الاستفهامي الشهير ” وينو البترول ” الذي لقي رواجا كبيرا و عزز مفهوم البحث عن الحقيقة بدرجة أولى وصولا إلى شعار اعتصام الكامور ” الرخ لا ” وهي الإجابة بعد البحث والوعي الحاد بخطروة الموضوع و دقته في تصحيح مسار الثورة ككل .

وبالعودة الى الأسباب الأساسية التي هيأت البيئة المناسبة لهذا الاحتجاج نجد أن الدولة تتحمل مسؤولية حقيقية لما بدر منها من وعود و مماطلة ممنهجة أثرت على معنويات شباب المنطقة و على سلوكهم تجاه الحكومات المتعاقبة التي طالما تحججت بأداء الحكومة التي سبقتها و اتهمتها بالتخاذل تجاه ذلك الموضوع و هذا يندرج ضمن نطاق المراوغة و التملص من المسؤوليات الذي عانت منه أيقونة الجنوب منذ الاستقلال و هو ما يفسر التهميش المقيت و الأوضاع الاجتماعية المتردية التي دفعت الشباب للمطالبة بحقه في التنمية و التمييز الايجابي مثل بقية الجهات الأخرى و إقرار مشاريع إرساء الحد الأدنى من البنية التحتية الاستعجالين وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفيضانات التي شهدتها الولاية بداية العام الجاري و مخلفلتها و تأثيراتها هذا بالإضافة إلى انك لو تجولت بين ربوع الولاية ومعتمدياتها السبع للاحظت أن 40% فقط من طرقاتها معبد بالطريقة المعمول بها او أجريت عليه تحسينات و يحدث ذاك غالبا لارتباطها بمناطق حيوية تربطهم بمركز الولاية لا غير .

إن الشباب الواعي و المثقف بتطاوين أيقن بالأدلة الراسخة أن الجنوب غني بشتى ثروات الأرض خصوصا من المحروقات فلو كان العكس فما الذي يفسر تمركز عشرات الشركات العالمية المنقبة عن النفط امثال (oil prime ) الفرنسية ( HTS) السويدية و غيرها من شركات الاستغلال التونسية على غرار ( ميداكس) ،وبالتالي يعتبر شباب #الكامور أن عدم فرض مبدأ مساهمة الشركات البترولية في تنمية المنطقة تقاعسا في خدمة الدولة و تواطئا من المسؤولين ضد مصالحهم التي باتت في اغلب دول العالم النامية نهجا تتبناه الدول و الشركات ضمن اتفاقيات تضمن تكفّل الشركة بنسبة من التنمية كنوع من ضرائب الاستغلال .

و ليس هذا فحسب بل لعل من أبرز الأسباب السياسية التي زادت من الاحتقان و حدة الاحتجاجات القانون المرفوض شعبيا “قانون المصالحة” والذي تسعى بعض اللوبيات لفرضه تحت منظور ما يسمى بالاستبداد الناعم ، و هو ما يعتبره البعض تحديا لإرادة الشعب و تغليب مصالح فئة على حساب شعب لما يتضمنه مشروع القانون من خرق صريح للمبادئ الدستورية في ما يخص العدالة الانتقالية و تورط أغلبية الأسماء المستفيدة منه بقضايا خربت الاقتصاد الوطني وأثرت سلبا على المال العام و أضرت بخزينة الدولة .

هذا و كان اندلاع الشرارة الأولى للاحتجاجات الآتي ذكرها بداية شهر أفريل المنصرم إثر دعوات للاعتصام و التظاهر السلمي أمام مقر ولاية تطاوين كان شباب الجهة قد أطلقوها عبر شبكات التواصل الاجتماعي و هو ما لقي استجابة عارمة من كافة أبناء الجهة و تواصل الاعتصام أمام مقر الولاية دون ان تتحرك السلط المعنية ساكنة و هو ما أثار موجة استهجان كبرى و تحولت الأنظار إلى برمجة الخطوات التالية من الاحتجاج و هو ما أدى يوم 23 افريل إلى انطلاق مجموعة من الشباب نحو منطقة الكامور أين تتمركز منشآت البترول و نصبوا مجموعة من الخيام للاعتصام و اتخذوا خطوة تصعيدية ردا على تجاهل الحكومة يوم 24 أفريل اذ أقدموا على اقتحام محطة الضخ الرئيسية و غلقها تماما ما استوجب تدخلا استعجاليا من الحكومة و الوالي بعدما أثار هذا الحدث صدى إعلاميا كبيرا لقي تعاطفا من كافة أطياف الشعب الذي اعتبر أن ما أقدم عليه شباب الكامور عملا شرعيا و نتيجة طبيعية لسياسة اللامبالاة التي انتهجتها السلط المعنية.

و صبيحة 30 افريل اجتمعت تنسيقية الاعتصام بوزير التشغيل داخل مقر الولاية اين خاض الشباب المنتفض معركته التفاوضية الأولى التي باءت بالفشل و قوبلت مبادرة الوزير بالرفض القاطع و بالاجماع بل و عزز هذا الاجتماع الثقة لدى الشباب و جدد عزيمتهم لمواصلة المسيرة و توافدت اعداد هامة من الشباب من كل الجهات لمساندتهم و تم جمع مساعدات من المواطنين و المقيمين بالخارج لحثهم على مواصلة الاحتجاج السلمي مما أسفر عن بيان رسمي أصدرته تنسيقية الاعتصام يوم 8 ماي لخصت فيه مطالبها و أهداف اعتصامها .

لعل ابرزها توفير 1500 موطن شغل بالشركات البترولية و 100 مليون دينار لصندوق التنمية بالولاية و هي مطالب اثارت موجة من التعليقات و خضعت لعدة تحاليل بين رافض و مؤيد حتى جاء خطاب الرئيس الباجي قايد السبسي في 10 من ماي الذي اعتبر فيه المطالب تعجيزية و اعتبر الاعتصام مهددا لأمن الدولة في خضم الأزمة الاقتصادية و الحرب المعلنة على الإرهاب وأشار الى تكليف الجيش الوطني بحماية المنشآت البترولية و تحميله مسؤولية إعادة الأمور إلى نصابها في ما يتعلق بالإنتاج و الضخ، وهو بدوره ما اثار حفيظة المعتصمين الذين اعتبروه تهديدا غير مباشر لهم و احتقارا لمطالبهم.

أما في ولاية تطاوين فسادت حالة من الامتعاض و خيبة الأمل على المشهد العام بعد أن علقت آمال جمة على الخطاب في وقت دقيق يستوجب نظرة ممحصة و تحليلا دقيقا لحيثيات الموضوع و دراسة متأنية للأسباب البعيدة و القريبة المحركة لهذه الاحتجاجات .

و في رد فعل مباشر عمد أفراد إلى إغلاق الطرق بتطاوين و أصر عدد من المعتصمين بالكامور الدخول في إضراب جوع أجج الاحتقان و رفع مستوى الغضب الشعبي وسط دعوات من داخل التنسيقية الى ضبط النفس و الالتزام بالسلمية مما أدى إلى تسارع الأحداث و تأزم الوضعية أكثر فأكثر حتى استفاق المعتصمون يوم 22 ماي على رائحة الدخان المنبعثة من الخيام بعد أن عمدت القوات الامنية على إحراقها وسط طوق امني مشدد من الحرس الوطني.

و سرعان ما تسبب ذلك تحويل ساحة الاعتصام إلى ساحة معركة بين الطرفين و حالة كر و فر استعملت خلالها القوات الأمنية الغاز المسيل للدموع لفض الاعتصام و تفريق المعتصمين و عاش المكان حالة من الفوضى العارمة أخذت منعرجا خطيرا لما استشهد احد المتعصين بعد ان دهسته سيارة أمنية و سقوط أعداد كبيرة من المصابين.

ومع بلوغ الخبر أرجاء الولاية اقتحم شباب غاضب مقر الولاية و دارت اشتباكات عنيفة بينهم و بين الأمن امتدت لساعات وقع خلالها العشرات مصابين و حقنا للدماء غادرت قوى الأمن المدينة وانسبحت.

الحل الأمني او بالأحرى سوء التصرف من الحكومة يعد أكثرا الأسباب التي أوصلتنا لهذه الحالة الصعبة التي قطعت الطريق أمام المفاوضات فكيف نواجه شبان عزل اختاروا السلمية شعارا و أكدوا على ذلك و أصروا عليه مرارا و تكرارا بالهراوات و الحرق و الغاز المسيل للدموع وتلك النتائج العكسية التي خلفتها المواجهات من حرق و تخريب هي نتيجة طبيعية تتحمل مسؤوليتها الدولة ، وككل مرة يدفع الشعب الثمن باهضا حيث شيع المعتصمون رفيقهم الذي فدى بنفسه في سبيل الحق الذي آمن به هؤلاء الشباب و عادوا معتصمين من جديد الى يومنا هذا مؤمنين بضرورة مواصلة المسيرة ورافعين شعارات جديدة كالتأميم ذلك الحلم البعيد القريب .. .

أسامة بن أحمد




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *